ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

231

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ومن محاسن الابتداءات التي دلت على المعنى من أول بيت في القصيدة ما قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد ، فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد هارون رحمه اللّه في بلاد الروم ، وأن نقفور ملك الروم خضع له ، وبذل الجزية ، فلما عاد عنه واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد ، فلم يجسر أحد على إعلام الرشيد ؛ لمكان هيبته في صدور الناس ، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعارا في إعلامه ، فكلّهم أشفق من لقائه بمثل ذلك ، إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد ، وكان شاعرا مفلقا ، فنظم قصيدا وأنشدها الرشيد ، أولها : نقض الّذي أعطيته نقفور * فعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنّه * فتح أتاك به الإله كبير نقفور ؛ إنّك حين تغدر - أن نأى * عنك الإمام - لجاهل مغرور أظننت حين غدرت أنّك مفلت * هبلتك أمّك ! ما ظننت غرور فلما أنهى الأبيات قال الرشيد : أو قد فعل ؟ ثم غزاه في بقية الثلج وفتح مدينة هرقلة . وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ما رواه من شعر سديف في تحريض الخليفة السّفّاح رحمه اللّه علي بني أمية ، فقال : قدم سديف من مكة إلى الحيرة ، والسفاح بها ، ووافق قدومه جلوس السفاح للناس ، وكان بنو أمية يجلسون عنده على الكراسي تكرمة لهم ؛ فلما دخل عليه سديف حسر لثامه ، وأنشده أبياتا من الشعر ؛ فالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك ، وقال لآخر إلى جانبه : قتلنا واللّه العبد ، فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين يديه وقتلوا عن آخرهم ، وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم ، ومن الأبيات : أصبح الدّين ثابتا في الأساس * بالبهاليل من بني العبّاس « 1 »

--> ( 1 ) الذي في شعر سديف ، وهو مروى في كثير من كتب التاريخ والأدب : أصبح الملك ثابت الأساس * بالبهاليل من بني العبّاس